الشيخ محمد آصف المحسني
77
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
الدليل الثاني : عدم تغيّر حاله بعد أن أتيح له الأمر واستولى على ما أراد فكان كما كان في أوّل أمره حليماً متواضعاً ، غير مستعل على آحاد رعيته وأفراد أمّته ، كانت معيشته ضيّقة حتّى يمضى بعض الأيام جوعاً ، ولا يجد ما يشبع بطنه ، وهو المطاع الأول بين نسمة ، وبيده أمر الغنائم المأخوذة من الكفّار ، وكان متعبّداً لله تعالى إلى آخر عمره ، ويصلّي ويصوم بأضعاف ما شرّع لأمّته ولم يدع يوماً استثنائه من شمول التكاليف الموظّفة « 1 » . ومن عجيب حاله أنّه لمّا ظفر على ألدّ أعدائه الذين آذوه في مكّة المكرّمة بأنواع الأذى ، وغلب عليهم - وكان من المتوقّع المعتاد أن ينتقم منهم انتقاماً شديداً - قال : لا تثريب عليكم اليوم . فعفا عن مظالمهم وجناياتهم وغمض عن شنائع أفعالهم . كلّ ذلك لا يلائم طبيعة الرئاسة وحكومة الهوى ، فإنّ هواة السلطة لهم أهداف نفسية غير إلهية ، وإن يتظاهروا في أوّل أمرهم بالتعفّف والصلاح والفضيلة ، لكن بعد ما فازوا بمرادهم ينسون كلّ شيء فإذا هم متكبّرون ، جبابرة عبيد الشهوة . ويتنعّمون بلذائذ الدنيا بأبعد ما يمكن ولا يتعب نفسه بالقوانين المنافية للراحة والهناء ، بل حتّى أقاربه وأصحابه المخلصين يرون أنفسهم فوق القوانين الوضعية ويتنعمون في أموال الشعب . . ولا يري المتغلب لغيره كرامة ومنزلة ، فكيف إذا زاحمه أحد أو قال فيه قولًا منافياً لاحترامه ، بل لو وجد من أساءه قبل عشرين سنة ينتقم منه أشد الانتقام ، ولا يخطر بباله العفو عنه ، فضلًا عن العفو عن جماعة لم يكلّفوا أنفسهم عن إيذائه ساعة في تلك المدّة الكثيرة . أضف إلى ذلك أنّه عوتب في نفس كتابه الذي جاء به غير مرّة ، وخوطب بما لا يناسب لعزيز شأنه ورفيع مقامه ، كقوله تعالى : عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى « 2 » وقوله : وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا * إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ « 3 » إلخ . وقوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ « 4 » ؟ وقوله تعالى : وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ « 5 » وقوله : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ « 6 » وقوله تعالى : أَ لَمْ
--> ( 1 ) - لاحظ تفصيله تفسير في الميزان 6 / 321 - 357 . ( 2 ) - عبس 80 / 1 - 3 . ( 3 ) - الإسراء 17 / 74 - 75 . ( 4 ) - التحريم 66 / 1 . ( 5 ) - المائدة 5 / 67 . ( 6 ) - الزمر 39 / 65 .